أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

71

العقد الفريد

وكاد يقتلني يوما بذي خشب * وكاد يقتلني يوما بسلمان فقال : هذا رجل أفلت من الموت أربع مرات ! لا يموت هذا أبدا . الشيباني قال : بلغني أن أعرابيين ظريفين من شياطين العرب حطمتهما سنة ، فانحدار إلى العراق ؛ فبينما هما يتماشيان في السوق - واسم أحدهما خندان - إذا فارس قد أوطأ دابته رجل خندان ، فقطع إصبعا من أصابعه ، فتعلقا به حتى أخذا أرش « 1 » الإصبع ، وكانا جائعين مقرورين ، فلما صار المال بأيديهما قصدا إلى بعض الكرايج « 2 » ، فابتاعا من الطعام ما اشتهيا ، فلما شبع صاحب خندان أنشأ يقول : فلا غرثة ما دام في الناس كربج * وما بقيت في رجل خندان إصبع « 3 » أعرابية وابنها : وهذا شبيه قول أعرابية في ابنها ، وكان لها ابن شديد العرام « 4 » ، كثير القتال للناس ، مع ضعف أسر ورقة عظم ، فواثب مرة فتى من الأعراب ، فقطع الفتى أنفه ، فأخذت أمّه دية أنفه ؛ فحسن حالها بعد فقر مدقع ؛ ثم واثب آخر ، فقطع أذنه ؛ ثم أخذت دية أذنه فزادت في المال وحسن الحال ؛ ثم واثب آخر فقطع شفته ؛ ثم أخذت دية شفته ؛ فلما رأت ما صار عندها من الإبل والبقر والغنم والمتاع بجوارح ابنها ، ذكرته في أرجوزة لها تقول فيها : أحلف بالمروة حقّا والصّفا * أنك خير من تفاريق العصا فقلت لأعرابي : ما تفاريق العصا ؟ قال : العصا تقطع ساجورا ، ثم يقطع الساجور أوتادا ، ثم تقطع الأوتاد أشظّة . لبعض الأعراب في الحج : الأصمعي قال : خرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له ، فلما كان ببعض الطريق

--> ( 1 ) الأرش : الدية . ( 2 ) الكرايج : الحوانيت . ( 3 ) غرّثة : جوّعه ؛ والغرثة : الجوع . ( 4 ) العرام : الشراسة .